السيد الطباطبائي
167
الإنسان والعقيدة
ويفعل ذلك كلّه برحمته . وفي هذا المعنى خطابه تعالى له صلّى اللّه عليه واله بقوله : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً « 1 » . ولفظ يبعث كأنّه تضمّن معنى الإقامة ، وهو كلام مطلق لم يعترضه في كلامه سبحانه تقييد ، فهو مقام محمود بكلّ حمد من كلّ حامد ، فهو مقام فيه كلّ جمال وكمال لاقتضاء الحمد ، ذلك فكلّ جمال وكمال مترشّح من هناك ، وقد قال سبحانه : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ « 2 » . فخصّ كلّ حمد من كل حامد بنفسه ، فالمقام المحمود مقام متوسّط بينه سبحانه وبين الحمد ، فهو كالرحمة شيء وليس بشيء ، وهي المسمّاة بالولاية الكبرى . وقال سبحانه : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى « 3 » . وهذا أيضا كلام مطلق ، ومن المعلوم أنّ العطيّة المطلقة منه سبحانه هي الرحمة المطلقة ، فيرجع مضمون الآية إلى الآيتين وهما : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 4 » . عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً « 5 » . وتزيد عليهما بالرضى ، ولم يقل سبحانه : حتّى ترضى ، فإنّ العطيّة هذه غير تدريجيّة بتواتر الأمثال وتعاقب الجزئيّات ، هاهنا كلام كثير لكنّه أرفع سطحا ممّا جزينا عليه في هذه الرسالة .
--> ( 1 ) سورة الإسراء : الآية 79 . ( 2 ) سورة الفاتحة : الآية 2 . ( 3 ) سورة الضحى : الآية 5 . ( 4 ) سورة الأنبياء : الآية 107 . ( 5 ) سورة الإسراء : الآية 79 .